جلال الدين السيوطي
462
الإتقان في علوم القرآن
شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ ( 14 ) [ البقرة : 14 ] ، أي هذا شأنهم أبدا ، وكذا قوله تعالى : وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى [ النساء : 142 ] . الثالث : ذكر ابن هشام في « المغني » : ( إذ ما ) ولم يذكر ( إذا ما ) وقد ذكرها الشيخ بهاء الدين السبكيّ في [ عروس الأفراح ] في أدوات الشرط . فأمّا ( إذ ما ) فلم تقع في القرآن ، ومذهب سيبويه أنها حرف . وقال المبرّد وغيره : إنها باقية على الظرفية ، وأمّا ( إذا ما ) فوقعت في القرآن في قوله تعالى : وَإِذا ما غَضِبُوا [ الشورى : 37 ] ، إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ [ التوبة : 92 ] ، ولم أر من تعرّض لكونها باقية على الظرفية أو محوّلة إلى الحرفية . ويحتمل أن يجري فيها القولان في ( إذ ما ) . ويحتمل أن يجزم ببقائها على الظرفية ، لأنها أبعد عن التركيب ، بخلاف ( إذ ما ) . الرابع : تختصّ ( إذا ) بدخولها على المتيقّن والمظنون والكثير الوقوع ، بخلاف ( إن ) فإنها تستعمل في المشكوك والموهوم والنادر ؛ ولهذا قال تعالى : إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا ثم قال : وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا [ المائدة : 6 ] ، فأتى بإذا في الوضوء لتكرره وكثرة أسبابه ، وبأن في الجنابة لندرة وقوعها بالنسبة إلى الحدث . وقال تعالى : فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا [ الأعراف : 131 ] وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ ( 36 ) [ الروم : 36 ] . أتى في جانب الحسنة بإذا ؛ لأنّ نعم اللّه على العباد كثيرة ومقطوع بها ، وبأن في جانب السّيّئة لأنها نادرة الوقوع ومشكوك فيها . نعم أشكل على هذه القاعدة آيتان « 1 » : الأولى قوله تعالى : وَلَئِنْ مُتُّمْ [ آل عمران : 158 ] ، أَ فَإِنْ ماتَ [ آل عمران : 144 ] ، فأتى بأن مع أنّ الموت محقّق الوقوع . والأخرى قوله تعالى : وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ( 33 ) [ الروم : 33 ] فأتى بإذا في الطرفين . وأجاب الزمخشريّ « 2 » عن الأولى : بأن الموت لمّا كان مجهول الوقت أجري مجرى غير المجزوم . وأجاب السّكّاكي عن الثانية : بأنه قصد التوبيخ والتقريع ، فأتى بإذا ليكون تخويفا لهم ، وإخبارا بأنهم لا بدّ أن يمسّهم شيء من العذاب ، واستفيد التقليل من لفظ ( المسّ ) وتنكير ضُرٌّ .
--> ( 1 ) انظر الدر المصون 3 / 416 - 418 ، والكشاف 1 / 468 ، وإملاء ما من به الرحمن 1 / 151 ، ( 2 ) انظر الكشاف 1 / 468 .